العيني
84
عمدة القاري
المصرية التي هي كرسي الإسلام لا يتولى فيها القضاة والحكام وسائر أصحاب المناصب إلا بالرشي والبراطيل ، ولا يوجد هذا في بلاد الروم ولا في بلاد العجم . 7946 حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيانُ حدّثنا الأعْمَشُ عنْ زَيْدِ بن وَهْبٍ حدّثنا حُذَيْفَةُ قال : حدّثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ رَأيْتُ أحَدَهُما ، وأنا أنْتَظرُ الآخَرَ . حدّثنا : أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ، وحدّثنا عنْ رَفْعِها ، قال : ( يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ منْ قَلْبِهِ فَيظلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوكْتِ ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقاى أثَرُها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُوَنَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ . فَيُقالُ : إن في بَني فُلانٍ رَجُلاً أمِيناً ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ : ما أعْقَلهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ ، وما في قلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ ) ولقدْ أتَى عَلَيَّ زَمانٌ وما أُبالي أيَّكُمْ بايَعْتُ ، لَئِنْ كان مُسْلِماً رَدَّهُ عَلَيَّ الإسْلامُ ، وإنْ كان نَصْرانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ ساعِيهِ ، فأمَّا اليَوْمَ ، فَما كُنْتُ أُبايعُ إلاَّ فُلاناً وفُلاناً . مطابقته للترجمة ظاهرة . وسفيان هو الثوري ، والأعمش سليمان . والحديث أخرجه أيضاً عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة . وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر وغيره . وأخرجه الترمذي في الفتن عن هناد بن السري . وأخرجه ابن ماجة فيه عن علي بن محمد عن وكيع به . قوله : ( حديثين ) أي : في باب الأمانة . أحدهما : في نزول الأمانة . والآخر : في رفعها قوله : ( حدثنا ) أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ( في جذر قلوب الرجال ) بفتح الجيم : وكسرها وسكون الذال المعجمة ، وهو الأصل في كل شيء . قاله أبو عبيد ، وقال ابن الأعرابي : الجذر أصل الحسب والنسب ، وأصل الشجرة . قوله : ( ثم علموا ) أي : بعد نزولها في قلوب الرجال بالفطرة علموها من القرآن . قال الله تعالى : * ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ) * ( الأحزاب : 27 ) الآية . قال ابن عباس : هي الفرائض التي على العباد ، وقيل : هي ما أمروا به ونهوا عنه ، وقيل : هي الطاعة ، نقله الواحدي عن أكثر المفسرين . قوله : ( ثم علموا من السنة ) أي : سنة النبي صلى الله عليه وسلم . وحاصل المعنى : أن الأمانة كانت لهم بحسب الفطرة وحصلت لهم بالكسب أيضاً ، بسبب الشريعة . قوله : ( وحدثنا ) أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عن رفعها ) أي : عن رفع الأمانة . قوله : ( ينام الرجل ) إلى آخره بيان رفعها وهو أنه ( ينام نومة فتقبض الأمانة من قلبه ) يعني : تقبض من قوم ثم من قوم ثم شيئاً بعد شيء في وقت بعد وقت على قدر فساد الدين . قوله : ( فيظل أثرها ) أي : فيصير أثرها . ( مثل أثر الوكت ) بفتح الواو وسكون الكاف وبالتاء المثناة وهو أثر النار ونحوه ، وقال ابن الأثير : الوكتة الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه والجمع وكت ، ومنه قيل للبسر : إذا وقعت فيه نقطة من الإرطاب وكت ، ومنه حديث حذيفة المذكور ، وقال الجوهري في فصل الواو من باب التاء المثناة من فوق : الوكتة كالنقطة في الشيء ، يقال في عينه وكتة ، وضبطه صاحب ( التلويح ) بالثاء المثلثة وهو غلط . قوله : ( مثل المجل ) بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها هو التنفط الذي يحصل في اليد من العمل بفأس ونحوه ، وهو مصدر : مجلت يده تمجل مجلاً ، ويقال : هو أن يكون بين الجلد واللحم ماء وكذلك المجلة ، وهو من باب علم يعلم ومصدره مجل بفتحتين : ومن باب نصر ينصر ومصدره مجل بسكون الجيم ومجول ، وقال الأصمعي : هو تفتح يشبه البئر من العمل . قوله : ( فنفط ) بكسر الفاء قال ابن فارس : النفط قرح يخرج في اليد من العمل وإنما قال : نفط مع أن الضمير فيه يرجع إلى الرجل وهو مؤنث ، وذكره باعتبار العضو أو باعتبار لفظ الرجل . قوله : ( منتبرا ) أي : مرتفعاً ، من الانتبار وهو الارتفاع ، ومنه انتبر الأمير : صعد على المنبر ، ومنه سمي المنبر منبراً لارتفاعه ، وكل شيء ارتفع فقد نبره وقال أبو عبيد : منتبراً أي : متنفطاً . وحاصله أن القلب يخلو عن الأمانة بأن تزول عنه شيئاً فشيئاً ، فإذا زال جزء منها